حيدر حب الله
426
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
لو تغيّرت الأعراف وصار لبس السواد عنواناً للفرح ، ولبس اللون الأزرق هو المتعارف في الحزن والعزاء ، فإنّ مقتضى عمومات العزاء وإحياء الأمر هو لبس الأزرق ؛ لكونه مصداقاً لها ، لا لبس الأسود الذي صار عنواناً للفرح عرفاً ، وما ذلك إلا لأنّ استحباب لبس السواد ليس بعنوانه ، وإنما لكونه مصداقاً لعمومات إحياء الأمر والعزاء ، فلاحظ جيداً . د - إنّ إطلاق لبس السواد في العزاء - لو تمّ - لا يفيد في كون شهر صفر بعنوانه شهر حزن بالاعتبار الشرعي ؛ لأنّ نسبة هذا الإطلاق إلى جميع الشهور واحدة ، فلاحظ جيّداً كما أشرنا من قبل ، فنحن لا نتكلّم في مطلق العزاء في شهر صفر ، بل في كون هذا الشهر يملك خصوصية دينيّة في هذا الموضوع ، بحيث يعتبر بنفسه وعنوانه شهر حزن في الدين الحنيف . رابعاً : أمّا الاستدلال بلبس العلويّات في الشام ، وفي طريق العودة ، وعند الدخول إلى المدينة ، السوادَ بمرأى ومسمع من الإمام زين العابدين ، فهذا لا يُثبت عنوانيّة شهر صفر للحزن شرعاً ، بل هو لا يُثبت شيئاً يُذكر ، وذلك أنّ سكوت الإمام غاية ما يفيد رضاه عن حزنهنّ الذي جاء بعد الشهادة المباركة ، ولا يكشف عن استحباب تكرار هذا الحزن في كلّ سنة في نفس الوقت ، وإنّما الدليل على التكرار في محرّم هو النصوص الخاصّة الدالّة عليه ، وهذا ما نعرفه من خلال التأمّل فيما درسناه في أصول الفقه في مباحث حجيّة الفعل أو الإمضاء ، فإنّ الفعل والإمضاء يحدّدان بحدودهما ، وليس فيهما إطلاق إلا بقرينة ، فلو كنتَ مع الإمام وتوفّي صديق لك ، ثم بكيت عليه ، وسكت الإمام عن بكائك ، بل امتدح بكاءك ، وكان ذلك في شهر جمادى الأولى ، فهل هذا يدلّ على أنّ الإمام يعطيك حكماً باستحباب البكاء على هذا الصديق في كلّ سنة في هذا الوقت من